محمد بن جرير الطبري
185
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
النسل أن يكون كان بقتله أمهاته أو آباءه التي منها يكون النسل ، فيكون في قتله الآباء والأمهات انقطاع نسلهما . وجائز أن يكون كما قال مجاهد ، غير أن ذلك وإن كان تحتمله الآية فالذي هو أولى بظاهرها ما قاله السدي غير أن السدي ذكر أن الذي نزلت فيه هذه الآية إنما نزلت في قتله حمر القوم من المسلمين وإحراقه زرعا لهم . وذلك وإن كان جائزا أن يكون كذلك ، فغير فاسد أن تكون الآية نزلت فيه ، والمراد بها كل من سلك سبيله في قتل كل ما قتل من الحيوان الذي لا يحل قتله بحال والذي يحل قتله في بعض الأَحوال إذا قتله بغير حق ، بل ذلك كذلك عندي ، لأَن الله تبارك وتعالى لم يخصص من ذلك شيئا دون شيء بل عمه . وبالذي قلنا في عموم ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن يسار ، قال . ثنا يحيى وعبد الرحمن ، قالا : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي أنه سأل ابن عباس : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ قال : نسل كل دابة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عطية ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، أنه سأل ابن عباس : قال : قلت أرأيت قوله الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ قال : الحرث حرثكم ، والنسل : نسل كل دابة . حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، قال : سألت ابن عباس عن الحرث والنسل ، فقال : الحرث : ما تحرثون ، والنسل : نسل كل دابة . حدثنا ابن حميد ، قال . ثنا حكام ، عن عمرو ، عن مطرف ، عن أبي إسحاق ، عن رجل من تميم ، عن ابن عباس ، مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس . وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ فنسل كل دابة ، والناس أيضا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنى عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ قال : نبات الأَرض وَالنَّسْلَ من كل دابة تمشي من الحيوان من الناس والدواب . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ قال : نبات الأَرض ، وَالنَّسْلَ نسل كل شيء . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : الحرث . النبات ، والنسل : نسل كل دابة . حدثني عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ قال : الحرث الذي يحرثه الناس : نبات الأَرض ، وَالنَّسْلَ نسل كل دابة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ قال : الحرث : الزرع ، والنسل من الناس والأَنعام ، قال : يقتل نسل الناس والأَنعام . قال : وقال مجاهد : يبتغي في الأَرض هلاك الحرث : نبات الأَرض ، والنسل : من كل شيء من الحيوان . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ قال : الحرث : الأَصل ، والنسل : كل دابة والناس منهم . حدثني ابن عبد الرحيم البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، قال : سئل سعيد بن عبد العزيز عن فساد الحرث والنسل وما هما أي حرث وأي نسل ؟ قال سعيد : قال مكحول : الحرث : ما تحرثون ، وأما النسل : فنسل كل شيء . وقد قرأ بعض القراء : " ويهلك الحرث والنسل " برفع " ويهلك " على معنى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ، ويهلك الحرث والنسل ، وإذا تولى سعى في الأَرض ليفسد فيها ، والله لا يحب الفساد . فيرد و " يهلك " على " ويشهد الله " عطفا به عليه . وذلك قراءة عندي غير جائزة وإن كان لها مخرج في العربية لمخالفتها لما عليه الحجة مجمعة من القراءة في ذلك قراءة : وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وأن ذلك في قراءة أبي بن كعب ومصحفه فيما ذكرنا : وليفسد فيها وليهلك الحرث والنسل " ، وذلك من أدل الدليل على تصحيح قراءة من قرأ ذلك وَيُهْلِكَ بالنصب عطفا به على : لِيُفْسِدَ فِيها . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ يعني بذلك جل ثناؤه : والله لا يحب المعاصي ، وقطع السبيل ، وإخافة الطريق . والفساد : مصدر من قول القائل : فسد الشيء يفسد ، نظير قولهم : ذهب يذهب ذهابا ، ومن العرب من يجعل مصدر فسد فسودا ، ومصدر ذهب يذهب ذهوبا . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ يعني بذلك جل ثناؤه : وإذا قيل لهذا المنافق الذي نعت نعته لنبيه عليه الصلاة والسلام وأخبره أنه يعجبه قوله في الحياة الدنيا : اتق الله ، وخفه في إفسادك